محمد بيومي مهران
58
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
القديم يتشابهون في عرضهما للأمر ، وإن استغرقت التوراة كثيرا في رؤيا السجينين « 1 » . على أن القرآن الكريم إنما ينفرد وحده بذكر دعوة يوسف عليه السلام ، وهو في السجن ، إلى توحيد اللّه ، وبث العقيدة الصحيحة ، ويظهر جليا في هذه الدعوة لطف مدخله إلى النفوس ، وسيره خطوة خطوة في رفق وتؤده « 2 » ، لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي « 3 » ، وكأنه أراد إخبارهما بمعجزاته توطئه لدعائهما إلى الإيمان ، قال
--> - رمزي : علم النفس الفردي - القاهرة 1919 ص 132 - 134 ، التهامي نقرة : المرجع السابق ص 518 ، في ظلال القرآن 4 / 1972 ) ، ويذهب ابن خلدون في المقدمة ( ص 180 ) أن النفس إذا خفت عنها شواغل الحس وموانعه بالنوم ، تتعرض إلى معرفة ما تتشوق إليه في عالم الحق ، فقدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر المطلوب ، ولذلك جعل اللّه الرؤيا من المبشرات . وروى عن أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قيل وما المبشرات يا رسول اللّه ؟ قال : الرؤيا الصالحة » ( صحيح البخاري 9 / 40 - القاهرة 1378 ) وفي تفسير النسفي 2 / 169 روى عنه صلى اللّه عليه وسلم ) عن البشرى « هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له » ، وعنه صلى اللّه عليه وسلم « ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ، والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » ( تفسير النسفي 2 / 169 ) ، ويرى الإمام الغزالي أن أدلة العقل وحدها لا تكفي لنبوة نبي ، ويقول : إنما نعرف النبي أو العارف الذي يتلقى علمه من اللّه بأمر آخر ، فإن اللّه أعطانا نموذجا من خصائص النبوة نشاهده في نفوسنا ، ويعني بذلك ما يراه النائم من أسرار الغيب ( الغزالي : المنقذ من الضلال - القاهرة 1308 ه ص 24 - 26 ) ، ويذهب صاحب الظلال ( 4 / 1972 ) إلى أننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد ، ملزمون بهذا أولا من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبه في السجن ورؤيا ملك مصر ، وثانيا ما نراه في حياتنا من تحقيق رؤيا تنبئية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده لأنه موجود بالفعل . ( 1 ) سورة يوسف : آية 36 - 37 - 41 ، تكوين 40 / 1 - 22 . ( 2 ) التهامي نقرة : المرجع السابق ص 535 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 37 .